Press Room

QUICK NUMBERS

1507.5


US$ vs. LBP mid
1507.5


USD vs. LBP mid
1507.5


US$ vs. LBP mid
1507.5


US$ vs. LBP mid
1507.5


US$ vs. LBP mid
1507.5


US$ vs. LBP mid
 

Governor Speech

21/Oct/2013

 مصلحة الإعلام في مصرف لبنان: الكلمة الافتتاحية لسعادة حاكم مصرف لبنان بمناسبة انطلاقة المعهد العالي للدراسات المصرفية ومباشرة التدريس في برنامج شهادة الاجازة في العلوم المصرفية



ملخص

ألقى سعادة حاكم مصرف لبنان الأستاذ رياض سلامة المحاضرة الافتتاحية بمناسبة انطلاقة المعهد العالي للدراسات المصرفية الذي أنشأته جمعية مصارف لبنان وجامعة القديس يوسف، وذلك في قاعة محاضرات حرم العلوم الاجتماعية في جامعة القديس يوسف بتاريخ 21 تشرين الأول 2013.

 

النص الكامل

حينما اعتدت القاعدة على الولايات المتحدة في ايلول ال 2001 غابت الثقة عن الاقتصاد الاميركي، وكان هناك خطر حقيقي من انهيار الولايات المتحدة إقتصاديا واجتماعيا. ولو حدث ذلك لكان تأثر العالم بأسره.

حينها قام المصرف المركزي الفدرالي في الولايات المتحدة بتخفيض الفوائد وبالإستمرار بالتعاطي بفوائد منخفضة لآجال أطول مما كان يفترض، غير مكترث بالتأثرات التضخمية لهذه السياسة، وللتورمات الممكن أن تولدها بأكثر من قطاع.
دخلنا حينها بزمن السيولة السهلة والرخيصة لاستعمال القطاع الخاص الذي استرسل بالاستلاف ، ولم يجد رادعا تنظيميا للحد من مخاطر هذا الواقع.
رافق ذلك سباق إلى المربحية من قبل المصارف والمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار.
وللمحافظة على النمو بالأرباح قامت المصارف بالإسترسال بالرافعة المالية مقارنة مع رساميلها.
الصراع إلى المربحية والمنافسة على الحصص في السوق والسماح للمصارف بدمج أعمال تجارية مع أعمال استثمارية، دفعت بكل المصارف في اتجاه المضاربة في الأسواق المالية بالأوراق والسلع، وبالإسترسال بالقروض العقارية والإسكانية دون تقييم المخاطر والتحوط لها.
إن المصارف العالمية الكبرى ومجمل المصارف سلفت أو استثمرت كل سيولتها، ووضعت نفسها تحت رحمة سوق ال INTER BANKحيث غدت تستلف منه لتلبية حاجاتها.
إن عدنا الى التاريخ لوجدنا أن الأزمات المالية الكبرى التي طالت المصارف نتجت عن التوظيف بالأسهم والعقارات.

لكن لم يرد أحد العودة إلى التاريخ نظرا لتقاطع عدة عوامل ومنها:
- التقاء مصالح المساهمين الذين رأوا أسعار مساهماتهم ترتفع، والمسؤولين في المصارف العملاقة الذين رأوا مكافآتهم ترتفع لتصل إلى أرقام خيالية، والحكومات التي كانت شعبياتها تتزايد. كل ذلك في غياب أي تدّخل جدّي للسلطات الرقابية والمصارف المركزية للحد من هذه الممارسات أو تنظيمها.
وكان الحاكم Greenspanيردد بأن الأسواق يجب أن تترك لنفسها، وهي كفيلة بتصحيح التورمات، والى إيجاد التوازن المفيد للإقتصاد.
-بينما كانت الفقاعات تتكوّن، بقيت المصارف المركزية الأساسية تعتمدعلى الإستقرار بالأسعار هدفا أساسيا لها، واستمرت باستعمال الفوائد كأداة وحيدة للتأثير على السيولة.
- وقد تزامن ذلك مع تواجد أكاديميين اقتصاديين فقط في سدة المسؤولية في هذه المؤسسات، بينما توزّعت الصلاحيات التنظيمية والرقابية على مؤسسات مختلفة لا تربطها ببعضها البعض أية علاقة، مترددة في تبادل المعلومات في ما بينها. مما أدى إلى فصل الرقابة المصرفية ورقابة الأسواق ورقابة تبييض الأموال عن المصارف المركزية في معظم الدول المؤثرة وذات الحجم، مما زاد من المخاطر على النظام المالي ككل.
جاء كل ذلك في زمن تطورت فيه العولمة المالية، مما جعل الصناديق تستثمر وتضارب حيث أضحت تتحكم بسيولة متزايدة قادرة على تحريكها بسرعة أينما ترى مربحية، متكلة على وسائل تقنية متطورة بسبب الثورة التكنولوجية.
ونشأت ممارسات مختلفة وصلت الى أن تقوم علب سوداء بتحريك الأموال تبعا لنموذج محاسبي مالي دون تدخل بشري.
نمت الأموال غير الموطنة وغير الممكن السيطرة عليها ومعظمها خارج النظام المصرفي التقليدي الى مستويات فاقت بأضعاف امكانيات المصارف المركزية، فأصبحت هذه الأخيرة عاجزة عن السيطرة ماديا، بالإضافة الى ضياعها بسبب غياب الصورة المكتملة لديها عما يجري بالأسواق لتنوع أجهزة الرقابة ولتقييد دورها بهدف استقرار الأسعار أساسا، ولنقص الوسائل والامكانيات لديها، للتحرك والتعرف عما يجري في الأسواق.
ومن المنتجات التي خلفها هذا الواقع المستجد ال Subprimeوهي تسليفات سكنية لعملاء غير مليئين لم يستطيعوا التسديد حينما ارتفعت الفائدة. وكان اهم عملية إفلاس في التاريخ قضت على Lehman Brosوغيرها فانهارت البورصات وأسعار الأصول عامة ، ومحت 15 ترليون دولار أميركي من الثروة العالمية.
وقد أدى ذلك إلى أزمة اقتصادية حادة في الغرب وفي مجمل الدول الصناعية نتج عنها ازدياد نسبة البطالة والفقر.
لكن ما ظهر في ما بعد من اجتماع مجموعة ال20 في لندن في آذار ال 2009 ومن مقررات بازل التي عرفت ببازل IIIومن تحرك الحكومات والمصارف المركزية، يرسم معالم العالم المالي الجديد.

أزمة ال2008 أنهت عصر التخصصية وتخلّي الحكومات عن أي دور في مؤسسات القطاع الخاص بشكل كلّي ومطلق.
أدّى ذلك إلى إنهاء فترة "الريغينية" أو "التتشرية"، وشهدنا الحكومات والمصارف المركزية تقوم بشراء مصارف وشركات تأمين وغيرها في كلّ أنحاء العالم منعا لإفلاسها. وكان اعتراف من قبل هذه الحكومات بأن بعض المؤسسات أكبر من أن تفلّس (Too big to fail).
وتوجّهت الحكومات إلى زيادة الضرائب منهية فترة اعتبر فيها تخفيض الضرائب مفيدا للاقتصاد.
كما أن الأزمة أنهت سيطرة الدول الثمانية الكبرى على القرارات الاقتصادية والمالية ، وذلك لمصلحة مجموعة العشرين.
تضمّ مجموعة العشرين دولا ناشئة تبيّن أنّها أصبحت مؤثرة في الاقتصاد العالمي ومنها دول الBrics.
لقد أنهت هذه الأزمة هيمنة الولايات المتحدة وأوروبا واليابان على الثروة العالمية وخسرت من حصتها لمصلحة دول آسيوية والصين والدول النفطية حيث أصبح التعاون معها ضروريا لإعادة النمو في الاقتصاد العالمي.
حدث أيضا تغيير في استراتجيات المصارف المركزية التي وجدت نفسها أمام الأزمة مضطرة إلى تعديل أهدافها وأساليب عملها.
وقد أضافت إلى حرصها على الاستقرار بالأسعار ، أهدافا أخرى كتأمين ملاءة الحكومات والمساهمة في مكافحة البطالة، مما أتاح التوسّع في ميزانياتها من خلال ضخ السيولة وتعميم ما سميّ بالQuantitativeEasing.
فالمصرف المركزي الأميركي يشتري سندات الحكومة الأميركية وأيضا سندات عقارية وشركة التأمين AIG.
والمصرف المركزي الأوروبي يشتري سندات دول اليورو خصوصا سندات الدول التي واجهت صعوبات كاليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا تأمينا للسيولة والملاءة ومنعا لارتفاع الفوائد المتوسطة والطويلة الأجل.
فعكس ما كان معمولا به سابقا، لم تعد هذه المصارف تكتفي بالتأثير على الفوائد القصيرة الأجل بل تعدتها إلى الفوائد الطويلة الأجل.
وأظهرت هذا الأزمة أهمية أن تكون للدول عملات مطلوبة دوليا ، حيث تمكّنت تلك الدول من طباعة العملات لتعويم المصارف والشركات الهامة دون إحداث تضخم لأن العملة التي ضخّتها المصارف المركزية الأساسية كان لها ترويج عالمي كالدولار الأميركي واليورو والين والاسترليني والفرنك السويسري.
ففي المرحلة الأولى، كانت العملة أداة إنقاذ، وفي المرحلة الثانية أداة لتفعيل الاقتصاد، مما أدّى إلى حرب العملات التي عطّلت مقررات التجارة الدولية المحصورة بتخفيض الدعم والرسوم الجمركية.
كل ذلك في ظلّ تراجع الحماس للانفتاح والعولمة تحت وطأة ارتفاع البطالة، وقد حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من المنحى المبطن للعودة إلى الحماية.
لقد قامت اليابان بتخفيض سعر الين 30% تجاه العملات كافة لإعادة إطلاق صادراتها. واعتمدت سويسرا سعر صرف ثابت تجاه اليورو لحماية قطاعها السياحي وصادراتها.
وهنا تغيير جوهري بالمفاهيم التي اعتمدت قبل أزمة 2008 حيث كان التوجه يقضي بترك أسواق القطع حرة دون إدارة أو تدخل.
إنّ غياب عملة عربية موحدة مقبولة دوليا لأن هناك حاجة إليها، يجعل الدول العربية وبالأخص الدول غير النفطية معرّضة للانهيار الاقتصادي والتراجع الاجتماعي لدى كلّ أزمة مهمة.
كما أنّ غياب هذه العملة يحدّ من التجارة البينية العربية ومن تحرّك الرساميل ضمن المنطقة العربية بغاية الاستثمار، وله تأثير سلبي على تطوير أسواق رأس المال وعلى التوسّع بالسياسات الاجتماعية التي تكافح الفقر.
أظهرت أزمة ال2008 وما حدث فيما بعد أهمية قطاع مصارف الظل (Shadow Banking). وقد توسّع هذا القطاع في كلّ أنحاء العالم. واتخذ هذا النشاط أشكالا مختلفة حسب المناطق التي توجد فيها مؤسسات مالية أو صناديق استثمار أو مضاربة ، أو مؤسسات صرافة تمارس الحوالة، ومؤسسات تعتمد النقد الالكتروني، وغيرها من المحال التجارية التي تصدّر بطاقات ائتمان. فنتج عن ذلك سيولة غير معروف حجمها وغير محدّد تحرّكها.


هذا الغياب أضاف إلى الضياع الذي واجهته الدول والمصارف المركزية وهيئات الرقابة لدى اندلاع الأزمة .


في هذا الإطار، يسعى بنك التسويات الدولية حاليا (BIS) إلى اقتراح تنظيم لهذا القطاع بغية تخفيض المخاطر المالية في العالم.
كما أظهرت الأزمة أهمية أنظمة الدفع والتسوية من حيث ترابطها عالميا وفعاليتها في وقت تتوزع أنشطة المؤسسات العملاقة في كلّ أنحاء العالم ، مما يمكّنها من التلاعب في وضعيتها وإخفاء خسائرها ، ما حتّم اقتراح قوانين وتفعيل والتشدد بالرقابة عليها.
إنّ هذا الشريان الحيوي للقطاع المالي وللاقتصاد تحوّل أيضا أداة للضغط السياسي تستعمله الدول، ووسيلة لرصد الأموال التي تعتبر غير شرعية من قبل من يسيطر على هذا النظام.
وقد أصدرت الدول قوانين تجعل من المصارف ومن القيّمين على أنظمة الدفع شركاء في مكافحة التهرّب من الضرائب وتبييض الأموال.
فالمصرف الذي لا يتعاون يُعاقب بإقصائه عن نظام المدفوعات مما يحتّم خروجه من القطاع أو الحدّ من نشاطه.
فعلى المصارف في كلّ أنحاء العالم أن تساعد الخزينة الأميركية في تطبيق قانون الFATCA، وهي مسؤولة عن التحقق بالأموال التي تودع لديها، وعليها أن تحقق بمصدر هذه الأموال وأسباب تحويلها.
وقد أصبحت دائرة الامتثال في المصرف تلعب دورا كبيرا ومؤثرا على أعمال المصرف وعلى مربحيته.
إن الغرامات الكبيرة التي دفعتها عدة مصارف عملاقة، حملت هذه المصارف على اعتماد مقاربة مختلفة في تعاملها مع زبائنها حفاظا على سمعتها وحماية لأرباحها.
انتشرت فوبيا مصرفية جعلت المصارف تبتعد عن الجنّات الضرائبية وتتعاطى بحذر مع الشركات القابضة الشخصية ومع ال Trust.
كما أصبح للمسؤول السياسي أو المسؤول في القطاع العام (PEP) صعوبة أكبر لتأسيس حساب له أو لعائلته مع المصارف.
نحن نشهد ولادة ثقافة جديدة للعمل المصرفي مبنية على الشفافية واحترام قوانين البلد التي تُستعمل عملته، وحتى لو كانت أعمال هذا المصرف خارج هذا البلد.
لم تقتصر التغييرات على تعاطي المصارف مع زبائنها بل تعدّت ذلك لتشمل تعاطي المصارف فيما بينها ولا سيما في أسواق الأنتربنك.
وقد تبيّن خلال أزمة ال2008 أن الاعتماد على هذا السوق للحصول على السيولة له مخاطره. فهذه التسليفات وهي دون ضمانة و خطيرة، يمكن أن تتوقّف حين تُغيب الأزمات الثقة بين المصارف.
كذلك فإن عدم مراقبة سوق الأنتربنك قد يؤدي إلى ممارسات غير دقيقة، كما تبيّن في آخر فضيخة مالية طالت أسواق الليبور في إنكلترا حيث أظهرت التحقيقات تلاعب وتواطؤ في تحديد مستوى الليبور بغية تحقيق المزيد من الأرباح.


من أجل إعادة الثقة بالمؤسسات المالية والمصرفية وفي ظل العولمة والتشدّد التشريعي بالنسبة للتداول، سنشهد المزيد من التعاون بين المصارف المركزية والأجهزة الرقابية في العالم.
ستواجه الدول التي لا تقبل بهذه الشمولية الرقابية صعوبة متزايدة في تعاطيها مع الخارج، مما سيؤثر سلبا على اقتصادها.
ومن أجل إعادة الأموال الإدخارية إلى المصارف، تتوجه الدول إلى فصل النشاط التجاري عن النشاط الاستثماري في القطاع المصرفي، كما تتوجه إلى تجميع أجهزة الرقابة تحت مظلة المصرف المركزي لديها.
إن التنسيق الاقتصادي عالميا أساسي لإعادة الثقة وتفادي أزمة تحجب الأموال عن المصارف وتخفّض إمكانيات تمويل الاقتصاد وتمنع النمو وفرص العمل.
وفي هذا السياق ستُحمّل الأجهزة الرقابية والحكومات مسؤولية أكبر لإدارات المصارف، مبتكرة قوانين وتنظيمات تعاقب المصارف، حتى لو كانت أكبر من أن تفلّس، في إطار تحوّل جوهري ينتج عنه إمكانية إفلاس المصارف العملاقة.


فالغضب الشعبي الرافض لاستعمال أموال المكلّفين لإنقاذ المصارف، يزيد من حماس ممثلي الشعب لاتخاذ إجراءات من هذا النوع. وهنالك أمل من أن يكون هذا التغيير العقائدي عنصرا ضاغطا يدفع كلّ المصارف إلى المزيد من الحذر وإلى التشدد في إدارة المخاطر وإلى السيطرة على الأكلاف التشغيلية.
إن هذا الموضوع هو موضع بحث جاد في مداولات لجان بازل ، وستُخصَص المصارف التي تشكّل مخاطر على النظام المصرفي والمالي محليا أو دوليا ، بمعايير متشددة لملاءتها وسيولتها .
إننا نتوجّه إلى الخروج من الأزمة، وسيدفع الثمن النهائي المستهلك والمواطن بسبب السيولة التي اضطرت المصارف المركزية ضخّها لإعادة تعويم الأسواق. سينتج عن ذلك عاجلا أو آجلا تضخم وتراجع بالقدرة الشرائية، إضافة إلى اضطرار الحكومات إلى زيادة الضرائب من أجل تخفيض عجزها والمحافظة على ملاءتها والاستقرار بالفوائد، وذلك سيخفض الادخار والأموال التي يمكن للأسر و المؤسسات استثمارها واستهلاكها.


كما أن خروج الدول المتقدّمة من الأزمة يهدد بإعادة الدول الناشئة إلى واقعها التي كانت تجاوزته خلال سنين الأزمة.
وربما يدفع ذلك المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى التغيير بهيكليتها وإلى التعديل بأساليب عملها وربما تحتاج عندها إلى إمكانيات مادية أكبر.
وقد بدأت التشنجات تظهر في هذه المؤسسات التي هي متّهمة من قبل الدول الناشئة والدول الآسيوية بخدمة مصالح الغرب.
وإن لم تحدث تحولات في هذه المؤسسات فربما تنشأ أو تُعزَز مؤسسات تقوم بالمهام نفسها في أكثر من منطقة اقتصادية في العالم.
يمكن أن تقضي حقبة "ما بعد ال2008" على ما تبقى من مقررات Bretton Woodsبعد أن بدأ المس بهذه المقررات في السبعينات حينما تخلّت الولايات المتحدة الأميركية عن التغطية الذهبية للعملة، واتى ذلك على أثر أزمة مالية ونقدية في الولايات المتحدة ولدتها حرب الفيتنام.


وفي هذا العالم المتغيّر سيولّى المستهلك الذي يستعمل الخدمات المصرفية اهتماما أكبر، وستصدر تشريعات وقرارات تهدف إلى حماية مصالحه، مما يحد من إمكانيات المصارف بالتعاطي الاستنسابي مع زبائنها.
سيواكب ذلك منحى لتأسيس لجان توصي بالمكافآت في المصارف وتتشدد بتركيبتها، للحد من الاندفاع نحو أعمال تحقق الربح السريع ومكافأته رغم المخاطر الكبيرة التي تولّدها هذه الأعمال.

يرتكز الاقتصاد اللبناني على التحاويل النقدية التي معظمها من اللبنانيين غير المقيمين ، وقد شكّلت هذه التحاويل تاريخيا 20 إلى 30% من الناتج المحلي ، وهي تقدّر حاليا ب8 مليارات دولار أميركي سنويا.
تعتبر هذه التحاويل الحجر الأساسي لتمويل الاقتصاد اللبناني ولتغطية العجز في الميزان التجاري، وهذا العجز أيضا تاريخي بسبب غياب مواد أولية يمكن للبنان أن يصدّرها.
كما أن لبنان يعتمد على قطاع التجارة والخدمات والبناء ليحقق النمو بينما بقيت مساهمة قطاعي الصناعة والزراعة في الناتج المحلّي متدنية.
أمام هذا الواقع كان على مصرف لبنان أن يخطط لنموذج مصرفي محافظ يحفّز الثقة ويستقطب الودائع إلى لبنان بهدف الضغط على تراجع الفوائد مما يشجّع على الاستثمار وعلى إيجاد فرص العمل.
وهذا ما فعل.


لقد بنينا قطاعا مصرفيا يتمتّع بسيولة مرتفعة بحيث يجب على المصارف أن تبقي 30% من ودائعها نقدا.


كما فصلنا بين المصرف التجاري والمصرف الاستثماري منعا لاستعمال أموال المودعين في استثمارات غير ممكن تسييلها بسرعة أواستعمالها للمضاربة.
كذلك نظمنا تسليفات المصارف ولا سيما حينما تكون هذه التسليفات عقارية أو لتمويل شراء أسهم. فطالبنا برأسمال يمثّل 40% من كلفة المشروع العقاري و50% من قيمة الأسهم.
ونظمنا توظيف الأموال الخاصة للمصارف لا سيما بالمشتقات المالية وأخضعناها إلى موافقة مصرف لبنان، ومنعنا منذ العام 2004 أي أربع سنوات قبل الأزمة الاستثمار بال Subprime.
كان لهذه التنظيمات الآثار الإيجابية بحيث حدّت من الرافعة المالية في القطاع المصرفي، وأضحت بذلك نسبة الرافعة المالية للأموال الخاصة من الأقل في العالم.
كما اتُخذت قرارات لمتابعة التزامات المصارف من خارج الموازنة.


سعى مصرف لبنان أيضا إلى تعزيز ملاءة المصارف تبعا لمعايير بازل -2 ومن ثم بازل -3، ولم تجد المصارف صعوبة في تطبيق ذلك بسبب هذا النموذج.
كانت سياسة مصرف لبنان، ولا تزال، عدم السماح بإفلاس أي مصرف. وقد وضعت الأطر القانونية وابتكرت الهندسات المالية لتحقيق ذلك. فلم يخسر أي مودع أمواله في مصرف لبناني منذ العام 1993.
فنمت الودائع في لبنان وتراجعت الفوائد مما حفّز النمو الاقتصادي.


وسمحت هذه السيولة بإطلاق قروض مفيدة للاقتصاد وداعمة للاستقرار الاجتماعي كالقروض السكنية والقروض الاستهلاكية مما ساهم بإعادة تكوين الطبقة الوسطى في لبنان بعد أن قضت عليها الحرب اللبنانية، وتراجعت القدرة الشرائية بسبب انهيار الليرة اللبنانية خلال هذه الحرب.
تراجعت الفوائد من 15% في أول التسعينات إلى 6% حاليا كمعدّل عام.

حصل أهمّ تراجع لدى انعقاد مؤتمر باريس 2 وما واكبه من هندسات مالية حيث انخفضت الفوائد بأكثر من 4% وخلال أزمة ال 2008 حيث انخفضت بأكثر من 3%. وفي هاتين المحطتين، كانت السيولة المتوفرة العامل الأساسي الذي مكّن هذا الانخفاض.


يشكّل الذهب والسرية المصرفية العنصرين الأساسيين في بناء ثقة نفسية للمتعاملين في السوق اللبنانية. وكانت السلطات التشريعية اتخذت قرارا في العام 1986 بعدم التصرفّ بالذهب، مما سهّل قرار مصرف لبنان عدم المس بهذه السلعة الموجودة في محفظته، والتي لا قناعة لديه بجدوى المس بها ، وبالأخص في ظل العجز المرتفع في ميزانية الدولة.
كما ساهم مصرف لبنان بتعدي مرحلة الضغوط على إلغاء السرية المصرفية بالمساهمة الفعّالة بإقرار قانون مكافحة تبييض الأموال وإنشاء وحدة لديه متخصصة بتطبيق هذا القانون.
لقد شهدنا ارتفاعا بميزانيات المصارف وبميزانية مصرف لبنان بالرغم من العجز المستمر في ميزانية الدولة والارتفاع المستمر في الدين العام.
وقد أصبح الاستقرار النقدي والاستقرار في الأسعار والنمو في الاقتصاد مرتبطا بتطور ونمو السيولة أكثر من ارتباطه بالمالية العامة. وحصل فصل بين الأوضاع النقدية والتأثيرات السياسية.
استند مصرف لبنان على هذا التوسّع الموجود في القطاع النقدي لدعم ملاءة الدولة واستقرار سعر صرف الليرة اللبنانية.
سمحت القوانين في لبنان بتجميع الهيئات الرقابية تحت مظلة مصرف لبنان، مما مكّن المصرف المركزي من أن يكون لديه رؤيا كاملة بما يحدث في مجمل القطاع المالي.
وقد سمحت استقلالية مصرف لبنان المكرّسة بقانون النقد والتسليف اتخاذ القرارات الفعّالة للحفاظ على الاستقرار النقدي.
إننا نتطلّع إلى المستقبل مخططين لكي يلعب القطاع النقدي الدور الرائد في تطوير وتحديث الاقتصاد في لبنان .
إننا ندرك أن النمو سيرتبط إلى حدّ كبير بتحسين القدرة التنافسية للبنان.
ومما يساعد على ذلك تطوير اقتصاد المعرفة حيث سيكون الابتكار والقدرة البشرية على إضفاء القيمة المضافة، عنصرين أساسيين للمساهمة في تحسين وضعنا التنافسي.
وقد صدر عن مصرف لبنان تعميم يحفّز المصارف للاستثمار في هذا القطاع.

إنّ الدور الذي سيلعبه اقتصاد المعرفة في تحسين أداء كلّ القطاعات وفي خلق قطاع جديد في لبنان سوف يساعد في التنمية وفي إيجاد فرص عمل.
كما أننا نتوقّع دورا مهما للقطاع المصرفي في تطوير قطاع البيئة وقطاع الطاقة البديلة. وقد ابتدأت المصارف استنادا إلى تعاميم مصرف لبنان بتطوير قدراتها في هذه القطاعات.
مهما صعبت الأمور، فسيبقى لبنان - وإن كان بلدا صغيرا - يتمتع بقدرات تدفعه إلى الأمام. ومن أهم هذه القدرات الطاقة البشرية وأيضا قطاع النفط والغاز إن تحقق.

Back